لماذا التصويب على المجلس الاعلى الكاثوليكي في هذا الظرف بالذات ؟

كتب انطوان الحايك

من المفترض ان يشكل المجلس الاعلى لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك بشخصي نائب رئيسه العلماني وامينه العام الضمانة اللازمة حول البطريرك ، ايا تكن هويته وامنتماءاته ، كما يشكلان ما يمكن وصفه بحراس الهيكل من خلال الثقة الجامعة القائمة على استمزاج الاراء قبل اتخاذ اي موقف ، انطلاقا من اعتبار ثابت وهو ان مصلحة الطائفة العليا وابناء كنيستها تعلو على المصالح الشخصية ، بحيث تتداخل المصلحة الكنسية بالمصلحة السياسية العليا وتتكامل معها .

هذه المعادلة هي التي اسست الى نجاح ولاية المجلس الحالي ونائب رئيسه ميشال فرعون لاعتباره انه تمكن من تجاوز العواصف التي ضربت الاكليروس من جهة والحياة السياسيبة باشكالها كافة من جهة ثانية ز بدليل نجاحه في الابقاء على قرار الطائفة موحدا بالرغم من الانقسامات السياسية والمسيحية – المسيحية التي كانت في ذروتها مع بداية الولاية ، والتي ادت الى شلل عام على مستوى الشارع اللبناني عموما والمسيحي خصوصا .

قد يكون التوافق الذي كان قد حصل مع بداية الولاية المستمرة حتى الان بين الوزير ميشال فرعون والراحل الوزير الياس سكاف ، وهامش الاستقلالية التي مارسها الاول من خلال ابعاد الانتماء السياسي الى حد كبير عن الاعتبارات والقرارات المتخذة في المجلس الاعلى ، وتاليا الابتعاد عن المناكفات السياسية خصوصا في هذه المرحلة حيث انطلق استحقاق المجلس الاعلى المقرر انتخاب هيئته التنفيذية الشهر المقبل قبل اوانه المعتاد ، ومن عاصمة الكثلكثة تحديدا وتصويره ، اي الاستحقاق على انه معركة استرجاع حقوق علما ان المجلس تتمثل فيه المناطق الكاثوليكية كافة ومن دون استثناءات ما يعني ان القرار يتخذ على مستوى الوطن والطائفة وليس على مستوى المنطقة او الخصوصية المناطقية .

في هذا السياق يؤكد العالمون ببواطن الامور وكواليسها ان نائب الرئيس العلماني الحالي ، اي فرعون اثبت بما لا يقبل الشك انه والد الصبي ، فهو وبالرغم من تعاطفه مع فريق الرابع عشر من اذار مارس سياسة التوازن داخل الطائفة وتواصل مع نوابها المنتمين الى المجلس بدءا من ميشال موسى مرورا بنعمة طعمة وادغار معلوف وطوني ابو خاطر وليس انتهاءا بمروان فارس الذي شارك الى جانب مطران بعلبك الياس رحال وفاعليات من قوى 14ر و 8 اذار جنبا الى جنب في ورشة عمل نظمها المجلس على خلفية انماء البقاع الشمالي والقاع ، اضافة الى تواصل مثمر مع كل المناطق البقاعية والجنوبية والشوفية والمتنية وحيث يتواجد ابناء الطائفة ، وذلك بالرغم من  الانقسام الذي ضرب السينودوس بصميمه كما اصاب العديد من الملفات الكاثوليكية نذكر منها قيادته لمعركة مديرية جهاز امن الدولة انطلاقا من اعتبارات تتعلق بمصلحة الطائفة العليا واحقيتها بالمركز ، وليس من زواريب سياسية او محسوبيات مناطقية تتعلق بهذا الفريق او ذاك مع علمه اليقين بكلفة المواجهة مع اطراف سياسية . حتى ان بعض المصادر تؤكد ان رئيس مجلس النواب نبيه بري ما زال ياخذ موقفا من الوزير فرعون على خلفية هذا الملف .

وفي المعلومات المستقاة من اكثر من مرجعية كاثوليكية ، فان المشهد الراهن يتضمن خشية عارمة من زج بعض الشخصيات القضائية او الامنية في استحقاق عادي وروتيني يهدف اتلى تسجيل نقاط في خدمة ابناء الطائفة وليس في الملاعب السياسية ، خصوصا ان سقوط الثنائية سكاف – فرعون وهي ثنائية معترف بها منذ تأسيس المجلس الاعلى على يد الزعيمين الراحلين ( سكاف وفرعون )  بفعل رحيل الاول ستؤسس حتما الى محاولات استيعاب القوى السياسية دون الخضوع لمصالحها ، بحيث يصبح البديل معركة سياسية مسيحية يدخل على خطها عناصر غير كاثوليكية تؤدي الى انقسام لا يتحمله حجم الاستحقاق والمعني هنا من يحاول ملء الفراغ الذي خلفه الوزير الراحل الياس سكاف .

وبالرغم من ان المؤشرات تدل على ان نائب الرئيس العلماني الحالي يملك الاكثرية الصامتة فان البطريرك عبسي يضغط  باتجاه التوافق الديمقراطي او الحد من حجم التنافس والابقاء على ديمقراطيته وعدم زجه في لعبة المناطق والنفوذ ، والا فتأجيل الاستحقاق الى ما بعد الانتخابات النيابية نظرا لحسابات تتجاوز المجلس الاعلى خصوصا في زحلة التي ما تزال تبحث عن بديل غير متوفر لزعامة البك .

ويبرز في هذا السياق سعي فرعون مع البطريرك العبسي الذي يرسل اشارات ورسائل الى الاحزاب للحد من التدخل في الاستحقاق قبل انضاج التسويات او الحلول لايجاد صيغة مقبولة تعيد الامور الى نصابها الطبيعي .

غير ان ذلك يصطدم بعقبة اساسية وهي المرجعية الزحلية القادرة على لعب الدور السكافي المعهود ، فصحيح ان السيدة ميريام سكاف زوجة الوزير الراحل نجحت في ترؤس الكتلة الشعبية وقيادتها بنجاح ، غير انها ما زالت بعيدة عن زواريب الطائفة ، وهي انتمت اليها مؤخرا اي بعد وفاة البك . ما يعني انه من الصعب ان تشكل رقما مرجحا في المعادلة .

ويبدو ان اقتراب موعد الاستحقاقات السياسية وعلى رأسها الانتخابات النيابية واستمرار الخلافات في الجسم الكنسي يؤثران  على مجرى استحقاق المجلس الاعلى مع هاجس يتملك  البعض من ان يؤثر استمرار فرعون برمزيته وتموضعه السياسي على استحقاقات زحلة كما استحقاقات اخرى داخل الطائفة بالرغم من عدم تدخله باي من الملفات الداخلية المناطقية واحترامه خصوصياتها ، وذلك للحفاظ على المصلحة الكاثوليكية العليا ، بما يفسر استنفار بعض القوى الزحلية المتضررة من تواصل فرعون مع قوى زحلية اساسية بما فيها رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف من جهة.  ومن نتيجة الانتخابات البطريركية التي لم ينجح فيها سيد زحلة بالخروج من معادلة قديمة جديدة يعتبرونها مضرة بمصالحهم حتى لو وصل الامر الى التهويل والتهديد بهدم الهيكل على رؤوس الجميع .

وفي وقت يعرب فيه البطريرك العبسي عن انزعاجه من الضجة المعروفة الاهداف والابعاد الحقيقية ، تؤكد اوساط فرعون انه على دراية واسعة بمنشأ الحملات المسعورة ، وهي تتم بذريعة مناطقية ولن يشارك فيها ، وكونه ليس من هواة ارساء اجواء غير سليمة او تشرذم في الطائفة ولو جاءت من اقلية بل على العكس تماما يتعاون مع اصحاب النوايا الحسنة لكل ما يصب في مصلحة المجلس الاعلى والطائفة بعيدا عن المصالح السياسية الضيقة  , كما انه يبدو مرتاحا للنتائج التي حققها المجلس في الفترة السابقة بالرغم من صعوبتها والافخاخ المحيطة بها  انطلاقا من حرصه على الصورة الجامعة للمجلس الاعلى  التي تبلورت جليا  خلال زيارة الرئيس ميشال عون فور انتخابه وصولا الى انتخاب البطريرك عبسي الذي يواجه تحديات لا بد من الوقوف الى جانبه لتجاوزها بنجاح . ويبقى معياره الاساسي في اي خيار مرتبطا بخدمة الطائفة والمصلحة العامة وليس بالمصلحة الخاصة .

This website is for sale. For enquiries, please contact the website owner Khalil Sarabey at info@khalilsarabey.com