من يقف وراء محاولات التخريب على المجلس الاعلى لطائفة الروم الكاثوليك

يقترب موعد انتخابات المجلس الاعلى لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك في ظل اعتقاد سائد بان الطائفة الملكية تسير باتجاه اصلاحات لا سيما على صعيد الكنيسة بعد موجة من التشكيك ادت في نهايتها الى استقالة البطريرك غريغوريوس الثالث لحام ، وبالتالي قبول حاضرة الفاتيكان الاستقالة بعد اخذ ورد من جهة وسلسلة من المراسلات بين بيروت والحاضرة من جهة ثانية ، ركزت بمعظمها على شؤون مالية وادارية وكنسية . ومن ثم انتخاب البطريرك يوسف العبسي على رأس الكنيسة الملكية الكاثوليكية .

ويبدو ان اجواء الاصلاح والاسترخاء والتوافق التي اعقبت انتخاب السينودوس للعبسي لم ترق لبعض ابناء الطائفة من روحيين وزمنيين فاطلقوا العنان لمعركة انتخاب الهيئة التنفيذية التي ستنتخب بدورها نائب الرئيس العلماني بسقوف عالية ، اقل ما يقال فيها انها بعيدة عن روح الطائفة التي طالما كانت وما زالت واحدة من الطوائف الست الرئيسية في لبنان ، وعن اجواء التوافق الديمقراطي الذي اراح ابناء الطائفة واعتبروه صمام امان لا بد منه للمحافظة على الوحدة داخل الطائفة التي ربما تكون الوحيدة التي بقيت الى حد ما خارج الصراعات في شؤونها الداخلية . خصوصا ان التركيبة المتحكمة في الشأن اللبناني هي تركيبة مذهبية وليس طائفية فحسب .

المجلس الاعلى للطائفة ، والمحكوم بنظام داخلي ، هو الناطق الرسمي باسم الطائفة على اعتبار انه يضم ممثلين عن الابرشيات ورؤوساء البلديات والوزراء والنواب ، ويتولى رئاسته عادة مرجعية كاثوليكية سياسية على غرار رجل الاستقلال هنري فرعون الذي كانت له اليد الطولى في تأسيس المجلس او الوزراء الراحلين جوزيف سكاف وبيار فرعون والياس سكاف والوزير الحالي ميشال فرعون ما خلا دورة للوزير الراحل نقولا خوري وولاية  لرئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي روجيه نسناس .

الانتخابات الاخيرة في 2014 جاءت توافقية بامتياز بعد ان تشارك كل من العماد ميشال عون والوزير ميشال فرعون والراحل الياس سكاف في اعداد الصيغة التوافقية ،التي اعلنها السكاف من دارته في اليرزة بحضور فرعون والبطريرك لحام وفاعليات الطائفة ويقضي بان يشغل الوزير فرعون منصب نائب الرئيس على ان يسمي الوزير سكاف بالتوافق مع العماد عون الامين العام ، فتم الاتفاق في ما بينهما على تسمية العميد المتقاعد شارل عطا ، وهو ابن دير القمر بعد ان ظهرت تباينات زحلية لم تسمح بتسمية امين عام من المدينة .

استهل المجلس الحالي ولايته سائرا على صفيح من الالغام نظرا الى التباينات السياسية التي كانت سائدة في تلك المرحلة من جهة وشرذمة مسيحية مسيحية عاصفة من جهة ثانية ، فعمل نائب الرئيس اي الوزير ميشال فرعون الذي كان شغل المنصب نفسه ولاية كاملة سابقة على التخفيف من حدة التباينات داخل المجلس الاعلى ، ونجح بابعاد  شبح الانقسامات السياسية عنه ، كما افلح في تحييده عن الصراعات الخارجية والداخلية ، حاصرا مهامه بشؤون الطائفة وابنائها وسياساتها التوافقية وتحويلها الى صمام امان للمكونات كافة بالرغم من شدة العواصف السياسية التي سادت في العامين اللاحقين لبداية الولاية ، وانتهت الى عاصفة عاتية ضربت الجسم الكنسي برمته وعطلت عمل السينودوس ، ولم توفر مدير جهاز امن الدولة الكاثوليكي اللواء جورج قرعة، حيث نجح فرعون حينها في لعب دور الوزير المشاكس الهادف الى المحافظة على التركيبة المعمول بها بعد ان نجح في الحفاظ على المؤسسة سنة 2006 والابقاء على قرعة حتى آخر يوم من ولايته ومن ثم انتقال المنصب الى كاثوليكي آخر هو اللواء طوني صليبا. اضافة الى عدد من الانجازات استفاد منها ابناء قرى الاطراف على غرار ورشة العمل المخصصة لانماء  بلدات البقاع الشمالي من القاع والفاكهة ورأس بعلبك، اضافة الى معالجة فلفات جنوبية ابرزها نجاحه في ادراج بلدة مغدوشة على خريطة السياحة الدينية العالمية  . فضلا عن مساندته للوزير الراحل الياس سكاف في معركته البيئية التي اعلنها في ذلك الحين من زحلة على خلفية انشاء مصنع للاسمنت في عاصمة الكثلكة ، كما ابتعد عن بعض التباينات في المدينة بالرغم من علاقاته المعروفة مع كثير من المرجعيات .

هذا الاداء حول فرعون الى شخصية قادرة على محاورة البطريرك لحام ، فاقنعه بضرورة فصل المسار الكاثوليك اللبناني عن المسارات الاقليمية الملتهبة ، قبل أن يلعب دور فعال في التقارب المسيحي الذي أنتج رئيساً للجمهورية.

العاصفة الاعتى التي نجح المجلس الحالي في الحفاظ على تضامنه هي استحقاق انتخابات السينودس وانتقال السلطة الكنسية من اللحام الى البطريرك المنتخب يوسف العبسي ، حيث قام فرعون وفق المعلومات بلعب دور الاطفائي  بعد ان نفذ مهمة حوارية داخلية كلفته بها مراجع كنسية داخلية وخارجية لايجاد الحلول التي تعيد الامور الى نصابها الصحيح بعيدا عن المزايدات الاعلامية والفلكلور ، وانتهت الى قيام البطريرك السلف اي اللحام بتكريمه حتى في العشاء السنوي للطائفة بالرغم من معرفته الاكيدة بان فرعون كان من مؤيدي  مجيء العبسي ، كما انه كان قد تبلغ قبل أيام من العشاء  نبأ قبول الفاتيكان لاستقالته ، وبقي التفاهم والاحترام قائم بينهم حتى بعد الانتخابات.

اما في حيثيات وتفاصيل انتخاب البطريرك العبسي فتؤكد المعلومات ان التنافس كان على اشده بين ثلاثة مطارنة ، هم عصام درويش و المطران جامبارت ويوسف العبسي وجميعهم من التابعية السورية ما ابعد شبح الصراع بين الرهبانيات اللبنانية من جهة والسورية من جهة ثانية ، فانتهت الانتخابات الى فوز العبسي الذي ابدي بعد فوزه كل حرص على اعطاء الملفات اللبنانية خصوصيتها ، وحيزا من الاهتمام بالتنسيق مع المطرانين كيرللس بسترس وجورج الحداد ومطارنة لبنان.

ما ساعد على فوز العبسي كان سقوط حظوظ المطران عصام درويش الذي كان وما زال على خلاف عميق مع بعض المرجعيات الزحلية وعلى رأسهم الكتلة الشعبية التي ورثت الخلاف عن الراحل الياس سكاف الذي كان بدوره على دراية واسعة بكل الملفات المحيطة بابرشية زحلة وراعيها  وهي بمجملها ملفات مالية وانمائية على خلفية اختلاسات تكلم عنها الاعلام في مستشفى تل شيحا . وذلك بعد ان سرب المعنيون معلومات عن خلافات عاصفة بين المطران درويش من جهة والبيك الراحل من جهة ثانية لم ينجح اللقاء الذي انعقد بينهما بحضور مدير جهاز امن الدولة جورج قرعة .

أحد عوامل التوتر قبل انتخاب البطريرك الجديد وبعده بحسب المعلومات كان التباين في ملف انشاء مستشفى جديد في نطاق ابرشية زحلة بالرغم من وجود مستشفى تل شيحا ، خصوصا ان الوزير فرعون بالتنسيق مع مراجع كنسية ومدنية مختلفة كان قد نصح المطران درويش بالتروي باطلاق مثل هذا المشروع الضخم في ظل شكوك بمصادر التمويل الهائلة وبالتالي خشية القيام باي خطوة ناقصة في ظل مراقبة مالية صارمة قد تؤدي الى عقوبات في حال عدم ازالة الشكوك من حولها لاسيما ان الاتفاق هو بين ابرشية زحلة من جهة وشركة استرالية يمثلها السيد محمود حمود من جهة ثانية تبين بعد التدقيق ان ليس للشركة مكانة في أي دولة في العالم مما قد يعرض الطائفة الى مساءلة دولية، ولم يتجاوب المطران درويش مع النصائح وانتقادات أبناء زحلة لاداء درويش التي وصلت الى المجلس الأعلى عبر المدير العام لويس لحود والتي عارضها الوزير جريصاتي خلال الجلسة.

ترافق ذلك مع اجتماعات ضمت الى المطران درويش مؤيديه ومنهم اساساً الوزير سليم جريصاتي والسيد شارل عربيد رئيس حركة التجدد الكاثوليكي التي كان البطريرك لحام قد سحب الغطاء الكنسي عنها بعد ان لمس انها تحولت عن اهدافها المعلنة واصدرت بيانات سياسية ازعجت كثير مرجعيات الطائفة الكنسية والسياسية وادخلتهم في دائرة الشكوك ، فوجه انذاك اللحام كتابا الى وزارة الداخلية يطلب من خلاله سحب الترخيص الممنوح للحركة قبل التراحع عن أخذ مواقف سياسية التي تبقى من إختصاص المجلس الاعلى.

تساؤلات مشروعة خلفتها تلك اللقاءات تمحورت بمعظمها حول المجلس الاعلى وانتخابات الهيئة  بمحاولة فريق درويش الالتفاف على صيغة توافقية حالية غير مطابقة لمصالحه ومعادلة قديمة جديدة لا تريحه ومؤيديه ، وهل تتعلق  فقط بالاستحقاق الكاثوليكي الذي يحل مرة كل ثلاث سنوات؟ وهل سينقلب احدا على التوافق الديمقراطي وتحويل الاستحقاق الى معركة انتخابية تؤثر على اداء المجلس لتحاول ان تأتي به من لون سياسي واحد ام هي محاولات لعزل هذه المرجعية او تلك ؟ او هي محاولات لتقويض البطريرك الجديد وفريقه وعرقلة انطلاقة عهده في وقت لم يبته فيه من دراسة الملفات الموضوعة على طاولته ؟ ولماذا رسالة بأسلوب تهويلي تم توجيهها بتوقيع احد الاعلاميين المعروفين الانتماء بمباركة سيد زحلة خصوصا انها، أي الرسالة، نصحت بالعودة الى زيارة الشام قبل أي قرار يخص الطائفة بتوجه قديم متجدد يحاول مواجهة المعادلات الاستقلالية السيادية وله أبعاد معروفة، علما ان  فرعون وفريق يضم شخصيات من انتماءات ومناطق مختلفة نجحوا بابعاد كأس الصراعات الاقليمية والحزبية المرة عن المجلس في ظل اعتقاد  بان الخروج  من التوافق السائد من شأنه ان يجر الطائفة الى احضان  صراعات التيارات السياسية في ما بينها .

 

This website is for sale. For enquiries, please contact the website owner Khalil Sarabey at info@khalilsarabey.com