obama-assad
obama-assad

أحجية أمريكا السورية

غيرت التصريحات الأخيرة التي أطلقتها كارلا ديل بونتي, المحققة السويسرية في لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة, طبيعة النقاش الدائر حول استخدام الأسلحة الكيماوية في الحرب الأهلية السورية. كانت الضغوط تتعاظم طيلة الأشهر الأخيرة على حكومة الرئيس بشار الأسد, أولاً على أساس الاتهامات القائلة باستخدام مثل تلك الأسلحة, ثم من خلال التلميحات القوية من قبل المجموعات المناهضة للأسد والسياسيين الغربيين بأن نظام دمشق قد استخدم الحرب الكيماوية ضد الخصوم والمدنيين. ليس هناك شك حول الفظائع التي ارتكبها الطرفان في النزاع الدائر, ولكن إن تم إثبات استخدام الأسلحة الكيماوية فهذا سيعني تصعيداً على مستوى آخر يطال جرائمَ حرب خطيرة.

كارلا ديل بونتي, النائب العام السابق في سويسرا ومدعي محكمة الأمم المتحدة حول يوغوسلافيا السابقة وراوندة, ليست دمية يمكن تحريكها بسهولة. فهي الآن عضو في لجنة التحقيق حول سوريا, تم تعيينها من قبل المبعوث الأعلى لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. وعلى العكس من الإشارات اللاحقة بأنها لم تكن تعرف ما تقوله, اختارت ديل بونتي كلماتها بدقة وعناية. فقد قالت إن الشهادات أشارت إلى “استخدام الأسلحة الكيماوية, وخاصة غاز الأعصاب السارين”. ويظهر أن من استخدمه هم “الخصوم, أي المتمردون.” إذ ليس هناك “أي دليل على أن الحكومة السورية … قد استخدمت الأسلحة الكيماوية.” وقالت إنها “ذهلت بعض الشيء” لأن الإشارات الأولى تدل على استخدام الخصوم لغاز الأعصاب.

بدا أن تصريحات ديل بونتي, التي تم إطلاقها في الوقت الذي حققت فيه القوات الحكومية السورية مكاسبَ على الأرض, قد قوضت موقف الصقور اليمينيين في واشنطن من أمثال السيناتورين جون مكين وليندسي غريهام, وفي لندن من أمثال رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ووزير خارجيته وليم هيغ. وهؤلاء من بين أقوى الشخصيات التي ترسم السياسة الغربية, لكنها لا تتمتع بالموضوعية و المصداقية في آرائها ومواقفها من سوريا والشرق الأوسط عموماً.

وخلال ساعات, حاول دعاة التدخل في واشنطن وإدارة أوباما التكيف مع الوضع الجديد على مضض. حيث قال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تعتقد أن نظام الأسد قد استخدم الأسلحة الكيماوية. وفي محاولة تذكرنا بالعراق في سنة 2003, أصرَ رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في البرلمان: “بمقدوري أن أؤكد لهذا المجلس إن هناك مجموعة من المعلومات المحدودة والقوية تشير إلى أن النظام [السوري] استخدم, ولا يزال يستخدم, الأسلحة الكيماوية.” ووافقه في ذلك وزير خارجيته وليم هيغ. ولم تعبر المحطات التلفزيونية والصحف الرسمية عن أي موقف نقدي, بل إنها كانت سخية في تبرير شكوك ومواقف هيغ, على الرغم من كل دروس العراق.

إن محاولة إقناع السكارى إيديولوجياً والمصابين بقصر النظر السياسي مهمة يائسة. فغالباً ما يؤدي الجوع إلى الحرب وشبق السلطة والقوة والرغبة في الاستيلاء على الموارد البعيدة إلى تغييب العقل والأخلاق معاً. فقد دفعت تطورات الوضع على الأرض بصقور الحرب إلى البحث المسعور عن نوع من المصداقية. فبالنسبة إليهم, يتمثل الملاذ الأخير في التأكيد, بشكل لا يترك مجالاً للشك, على “قناعتهم” بأن قوات الرئيس الأسد هي التي استخدمت الأسلحة الكيماوية وارتكبت جرائم الحرب. إذ كيف ﻠ “مناضلي الحرية” أن يفعلوا ذلك؟

إن الواقع المتغير للحرب السورية الطويلة والوحشية, التي أظهرت فيها القوات الحكومية صموداً وتصميماً فاقا توقعات الخصوم, قد ولدَ نوعاً من اليأس بين صفوف المتمردين والقلقَ في عواصم أمريكا وأوروبا من هيمنة الفصائل الإسلاموية على الحملة ضد الرئيس الأسد. إذ إن أسرَ عناصر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في سوريا, الذين تم إطلاق سراحهم بعد أسبوع من المباحثات السرية, يحكي القصة الحقيقية, حيث يضفي بعض التوازن على السيناريو الذي يتم تقديمه لنا في العادة.

كانت المرة الثانية خلال شهر التي تقوم فيها فصائل المتمردين باختطاف عناصر من قوات حفظ السلام. إن الولايات المتحدة وحلفاءَها واقعون بين أوهام الانتصار الكلي في الشرق الأوسط ونتائجه الفعلية – أي, ظهور قوات مناوئة للغرب مثل “جبهة النصرة” تتميز مكوناتها بالعدوانية والعنف.

إن نتائج الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير خارجية أوباما الجديد إلى موسكو في غاية الأهمية. فقد أثار الاتفاق الأمريكي – الروسي على عقد مؤتمر دولي لإيجاد تسوية تفاوضية للنزاع دهشةَ البعض في واشنطن وبين حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والعالم العربي. إذ يبدو أن الرئيس فلاديميير بوتين قد فرض وجهة نظره القائلة إن رحيل الأسد لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً للمفاوضات. لكن هذا الشرط هو نقطة البداية بالنسبة إلى المتمردين السوريين ومعظم داعميهم الخارجيين الذين يمتلكون أجندة أوسع في الشرق الأوسط. وقد جاء في عنوان أحد التعليقات في الصحيفة الإيطالية اليمينية “إل جورنال”: “هزيمة أوباما: الاتفاق مع بوتين لإرضاء سوريا”.

أما رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون, الذي يصارع للحفاظ على سلطته داخل حزب المحافظين وعلى الائتلاف مع الديمقراطيين الليبراليين, فقد هرعَ إلى موسكو لإجراء محادثات مع الرئيس بوتين في محاولة لضمان انعقاد أي مؤتمر دولي حول سوريا في لندن؛ سوف تلي ذلك رحلته إلى واشنطن؛ كما أن بنيامين نتنياهو خطط لزيارة خاصة به إلى موسكو بعد أن أمرَ بشن هجومين جويين سريين على المنشآت العسكرية السورية خلال أسبوع واحد؛ كما أن الصحف الإسرائيلية والغربية قد حذرت من أن روسيا ستزود الأسد قريباً بصواريخ (إس – 300).

أما بالنسبة إلى روسيا, فإن وزير الخارجية سيرغي لافروف يصر على أن موسكو “لا تخطط لتزويد سوريا بأية أسلحة خارج نطاق العقود الحالية”, وهي – كما يقول – “لأغراض دفاعية”. إن رسالة روسيا لواشنطن, والتي وجهتها منذ سنة, لا تزال كما هي: “ارفعوا أيديكم عن سوريا وإيران”. ويستمر أوباما في مناوراته الكلامية. وتستمر الحرب القائمة.

أضف تعليقاً

This website is for sale. For enquiries, please contact the website owner Khalil Sarabey at info@khalilsarabey.com